الشيخ محمد هادي معرفة

106

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

الدينيّة طول عهد التاريخ ولم يضيّعوها ولم يدعوها على ذمّة التحريف والخلط والتبديل . على أنّهم منذ البدء لم يأخذوا ديانتهم عن أصل وثيق ولا عرفوا شيئا من حياة صاحب الرسالة إلّا أقاويل وأساطير ، فقد ضاعت عنهم كلّ معالم الشريعة والصحيح من سيرة المسيح منذ بداية الأمر . . . تلك الأناجيل الأربعة ، ثلاثة منها ( متى . مرقس ، لوقا ) لم تحتفظ على معاجز المسيح ( الثلاث والثلاثون معجزة ) سوى معجزة واحدة . وإنجيل يوحنّا لم تذكر منها سوى سبع معاجز « 1 » فأين الباقي ؟ على أنّ هذه الأناجيل بينها اختلاف كبير وهي قريبة العهد بالتدوين . والعمدة أنّها كتبت في عهد متأخّر ( بعد انتهاء أمر المسيح ) فخلطت الحابل بالنابل وكان فيها الغث والسمين ، وبعد أن أفاق المسيحيّون من الاضطهادات التي كانت تتوالى عليهم نظروا في تلك الأساطير واختارت الكنيسة من بينها تلك التي لا تتعارض مع نزعتها وجعلتها رسميّة ولم تكترث لما بين مضامينها من التخالف والتناقض ما دام ذلك لا يخالف المنزع العام الذي قصدته الكنيسة . والأناجيل جميعها منقطعة السند ، ولا توجد نسخة إنجيل بخطّ تلميذ من تلاميذ ذلك المؤلّف ولا مايضمن شبهة صحّةٍ فيها . « 2 » من ذلك الخلط الفاحش ، إسناد « لوقا » التكلّم في المهد إلى يوحنّا المعمدان ( يحيى بن زكريّا ) بدل المسيح ( عيسى بن مريم ) ، « 3 » وسكت عنه سائر الأناجيل .

--> ( 1 ) - راجع : قاموس الكتاب المقدّس ، ص 967 . ( 2 ) - راجع : قصص الأنبياء للنجّار ، ص 399 . ( 3 ) - كان لوقا طبيبا من أهل أنطاكيّة ولم ير المسيح أصلًا وقد لقّن النصرانيّة عن « بولس » . وبولس هذا كان يهوديّا متعصّبا على المسيحيّة ولم يرالمسيح في حياته وكان يسيء إلى النصارى إساءات متواصلة ، ولمّا رأى أنّ اضطهاده للنصرانيّة لايُجدي عمد من طريق الحيلة إلى الدخول فيها وإظهار الاعتقاد بالمسيحيّة وادّعى أنّه صرع وفي حال صرعه لمسه المسيح وزجره عن الإساءة إلى متابعيه ، ومن ذلك الوقت آمن وأرسله المسيح ليبشّر بإنجيله نظير ما اختلقه كعب الأحبار - الكاهن اليهودي - تعليلًا لإسلامه أيام عمر بن‌الخطاب وانطلت حيلته على الكنيسة ، وهو الذي جعل النصارى يمرقون من واجبات الناموس الذي جاء المسيح لتأييدها ، فأباح لهم أكل الميتة وشرب الخمور وأنّ الإيمان وحده كان في النجاة بدون عمل . . . قصص الأنبياء للنجّار ، ص 400 . وكان تأليف لوقا إنجيله بإيحاءات من شيخه بولس هذا الذي حاول التشويه في شريعة المسيح والحطّ من قداسته ، ومن ذلك نسبة الكلام في المهد - وهي نفحة قدسيّة - إلى يحيى قبل أن يأتي عيسى المسيح . الأمر الذي اغترّ به أتباع المسيح من غير دراية .